ابن بسام
113
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
صافر [ 1 ] ، وأجسرهم على ركوب ثبج [ 2 ] محرّم وهو أضعف من لحظ فاتر ، نبّهت [ 3 ] تلك الفتنة على قدره ، ورفع عدم الرّجال صوته بذكره ، فهبّت ريحه شمالا وصبا ، واتّخذ سبيله في البرّ والبحر عجبا [ 4 ] ، فعرّض عليهم بصاحبه المتوكّل عمر بن المظفّر بن الأفطس ، وأعرب لهم عن لين مكسره ، وضيق مسافة نظره ، واشتغاله باللّذات عن أكثره ، فقالوا : برد كبرد ، ما أشبه سعدا بسعد ! فأتاه سفيرهم ، وخفّ إليه عيرهم ونفيرهم ، فجاءهم ينظر من خفاء ، ويمشي على استحياء [ 5 ] ، كودنا ساموه خطّة سباق ، وحبينة أقاموها على ساق ، فدخل طليطلة عقب سنة اثنتين وسبعين ، وأقام عندهم نحوا من عشرة أشهر ، أضلّ من يد في رحم ، وأذلّ من لحم على وضم [ 6 ] . [ و ] قد كان ابن ذي النّون حين انفلت من يد المقتنص ، انفلات الحمامة من القفص ، تهيّأ له دخول كونكة في خبر طويل ، فثاب إليه حسّه ، ورجعت قليلا نفسه ، وراسل الطاغية أذفونش ، وهو بحيث ينتهز الفرسة [ 7 ] ، ويسمع القصّة . فذكّره ابن ذي النّون سالف / عهده ، وشهّد عنده أنعم جدّه ، فبالزّناد الذنونية - زعموا - وريت ناره ، ومن التّلاع المأمونيّة [ 8 ] تدفّق تيّاره ، أيام كان اسم هذا الطاغية مخمولا [ 9 ] ، وصعبه ذلولا ، بتغلّب أخويه شانجه وغرسية عليه ، وأخذهما طرفي سلكه من يديه ، فآواه المأمون ابن ذي النّون ونصره ، واستقلّ بسلطان طاغوته حتى أظهره [ 10 ] ، وعند اللّه جزاء موفور ، وإليه منقلب ومصير . فلبّى دعواه ، وسمع شكواه ، وأظهر الارتماض لما عزّه وعراه . وأقبل معه إلى طليطلة يرد ماء بماء [ 11 ] ، ويسرّ حسوا في ارتغاء [ 12 ] ، يورد وردا
--> [ 1 ] انظر : الدرة الفاخرة : 111 ، وفصل المقال : 499 ، والميداني 1 : 124 ، والعسكري 1 : 217 . [ 2 ] ص : تيح . [ 3 ] ص : بهت . [ 4 ] ناظر إلى الآية : 63 من سورة الكهف . [ 5 ] ناظر إلى الآية : 25 من سورة القصص . [ 6 ] هذان مثلان : انظر الدرة الفاخرة 1 : 282 ، 203 . [ 7 ] كذا ولعلها : « الفرصة » . [ 8 ] ص : المأمونة . [ 9 ] ص : محمولا ، وربما قرئت : « مجهولا » . [ 10 ] ص : أظهر . [ 11 ] من قولهم : « أن ترد الماء بماء أوفق » وهو علامة على الحيطة والحذر . [ 12 ] انظر المثل في فصل المقال : 76 ، والميداني 2 : 251 .